Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

نانسي خوري… لما العفويّة تصير فنّ مش صدفة – شربل الغاوي

نانسي خوري

نانسي خوري… لما العفويّة تصير فنّ مش صدفة – شربل الغاوي

ليس في حضور نانسي خوري ضجيجُ «كاركتير» ولا استعراضُ براعة. هناك شيءٌ أعمق: اقتصادٌ في الأداء يجعل كلّ تفصيلٍ ضرورة، وكلّ نظرةٍ جملةً كاملة. هذا الدور، الذي ينكسر فيه كثيرون بين مبالغةٍ وافتعال، تعاملت معه نانسي كمن يتهجّى الحقيقة على مهل، ويضع النقطة حيث يجب أن تنتهي الجملة، لا حيث تشتعل الكاميرا.

جرأة الاختيار هنا ليست في الاسم فحسب، بل في المنهج. صُنّاع «سلمى» راهنوا على ممثلة لا تتسوّل الانتباه، بل تعيد تربية الانتباه. وجهٌ نظيف، ملامح غير مُدَجَّجة بالمؤثّرات، عفويةٌ لا تصرخ كي تُسمَع، وهضامةٌ لا تُقايِض المشهد على ضحكةٍ سهلة. النتيجة: شخصية تُصدّقها قبل أن تُعرّفها، وكأنّها كانت في النصّ قبل أن يُكتب النصّ.

سرّ نانسي خوري أنّها تُهندس الصدق. العفوية عندها ليست تركَ الذات على سجيّتها، بل ضبطُها بنَفَسٍ موسيقي: شدٌّ حين يستلزم الإيقاع شدًّا، وإرخاءٌ عندما يتطلّب المعنى رِفْقًا. سترى كيف تُمسك آخر الكلمة على طرف الشفاه، وكيف تؤخّر الالتفاتة نصف ثانية لتمنح الصمتَ معنى. هذه تفاصيل لا تُدرَّس بسهولة، لكنّها تُلتَقَط بوعي ممثلةٍ تعرف أنّ المشهد لا يُلتقط بالكاميرا وحدها، بل بضمير العين.

في الشكل، ثمة جمالٌ «قابلٌ للتصدّق». لا كماليات ساحقة، ولا توقيع يصرخ «أنظروا إليّ». ملامح تُشبه الناس، لذلك تُقنع الناس. وهذه أعلى درجات الإغواء الفني: أن تجتذب المُشاهد لأنّك تشبهه، لا لأنّك تتعالى عليه. أمّا الهضامة التي يذكرها الجميع، فهي هنا وظيفة درامية لا زينةٌ لفظية. خفّتها لا تأتي كفاصلٍ ترفيهي، بل كجسرٍ إنساني فوق محطاتٍ قاسية. تضحك قليلًا كي تفتح نافذة هواء، ثم تُغلقها على حزنٍ أنيق لا يطلب الشفقة.

تختار نانسي حركةً واحدةً بدل عشر. هذه فلسفتها في الاقتصاد الدرامي: حركةٌ مصوَّبة خيرٌ من مهرجانِ إيماءات. لذلك تتذكّرُها بعد انتهاء الحلقة، لا لأنّها صاخبة، بل لأنّها مضبوطة النبرة. كلّما همّت بالمبالغة، تعود خطوةً إلى الوراء، وتترك للمعنى أن يتقدّم. هنا يلمع وعيها بتراتبية العناصر: المعنى أولًا، ثم الإحساس، ثم العبارة، ثم الزينة إن بقي مكان.

في المشاهد الحارّة، لا تضع دمعةً على خدّها وتنتظر التصفيق. إنّها تضع سبب الدمع في عينك أنت. تلك هي حرفة التأثير الحقيقي: أن تُقنع المُشاهد بأنّ ما يراه ليس صناعةً بل واقعة. وحين تضحك، لا تُعلن الفرح، بل تخفّف عنه، كمن يضع راحة اليد على كتفٍ يرتجف ويقول له بصمت: أنا هنا.

نجاح هذا الدور ليس مصادفة. هو حاصلُ جمعٍ بين حسٍّ إنسانيّ وذكاءٍ احترافيّ. الحسّ يوفّر الحرارة، والذكاء يحدّد الدرجة. الحسّ يُلهم اللحظة، والذكاء يحرّرها من البلل الزائد. وهكذا تتجنّب نانسي فخَّ «التمثيل عن التمثيل»، وتقدّم أداءً عن الإنسان. هذه نقطة التحوّل: من ممثلةٍ «تؤدّي» إلى ممثلةٍ تؤكّد الوجود.

يبدو كأنّها لا تفعل الكثير، بينما تفعل الأهمّ: تسحبُكَ إلى مستوى التنفّس نفسه. تُبطئ الإيقاع حين يتسارع، وتُسرّع النطق عندما يثقل، فتمنع المشهد من الانزلاق إلى الميلودراما أو الهزل. هذا الضبط الإيقاعي لا يُرى في اللقطة، بل يُحَسّ في الذاكرة. تخرج من المشهد وفي أذنك بقاياُ نفسٍ ليس لك، وفي صدرك مساحةٌ فُتحت لتُوضَع فيها حكاية.

لذلك كان الاختيار قويًّا. لأنّه اختار المُمكن الصعب: ممثلةً تُشبه الشخصية حدَّ التطابق، من دون أن تُفقدها الفنّ. ممثلةً تعرف أنّ العفوية ليست إذنَ عبورٍ للفوضى، بل انضباطُ الطبع بوعيٍ جماليّ. وممثلةً تمتلك تلك «الهضامة الجادّة» التي لا تُخجِلُ الدراما، بل تحرسها من قسوتها.

في «سلمى»، نانسي خوري ليست مجرّد إضافة. إنّها ميزان حرارة يضبط حرارة المشاهد. ترفع درجة حنانٍ هنا، وتُلطّف حدّةً هناك، وتترك في النصّ طبقةً بشرية يصعب تدوينها على الورق. وإذا سألتَ: ما الذي ميّزها؟ أقول لك ببساطة العارفين: قلّة الفعل وكثرة الأثر. وهذه معادلة المحترفين الكبار.

هكذا يُصنَع الدور الذي «يصعب أن تنجح فيه ممثّلة». لا بفيضٍ من الحِيَل، بل بشجاعة التقليل. لا بعرضِ قوّة، بل بقوّة الامتناع. وحين تمتنع نانسي عن الزائد، يظهر اللازم بكامل ضيائه. هناك يتجلّى الفنّ في منطقه الأجمل: أن تُطفئ الفائض، لتضيء الجوهر.

شربل الغاوي

مخرج – صحافي وناقد سينمائي