
ستيفاني عطالله في “سلمى”… ميرنا تسخر من مشاعرنا وتدير اللعبة خلف الكاميرا – شربل الغاوي
العين التي تُشعل الحريق
قراءة نقديّة موسّعة في شخصية ميرنا كما جسّدتها ستيفاني عطالله
ليست ميرنا مجرّد شخصيةٍ مكتوبة على ورق، بل عُقدةٌ حيّة تُزرَع في صدر المشاهد، لتبدأ بعدها التجربة. منذ لحظة دخولها الشاشة، لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تفرض حضورها. يكفي أن تتحرّك عيناها، ذلك التوتّر الهادئ، ذلك البريق الذي لا يُفسَّر، لتقلب المشهد من عاديّ إلى مشحون، من باردٍ إلى غامض.
إنها الشخصية التي لا تُستدرج إلى الحبّ، بل تُفرض على الكره. الكره هنا ليس نفورًا فقط، بل انفعالًا داخليًا متورّطًا، كأنّها تُعيد تعريف معنى الاستفزاز الفني.
حين تنطق العين قبل الفمّ
كلّ ما في ميرنا يبدأ من العينين. ليست نظرةً واحدة، بل عشرات الطبقات من التلميحات والتهديدات والاعترافات المبطّنة.
حين ترفع حاجبًا، فهي تُعلن الحرب. وحين تُطيل النظر، فهي تزرع الشكّ في كلّ من حولها. نظراتها ليست هاربة ولا ثابتة، بل متقلّبة كحرارة الزئبق.
تُحدّق ثم تنسحب بسرعة، كمن يترك جرحًا صغيرًا في كبرياء المتلقي.
العينان عند ستيفاني عطالله لا تؤدّيان، بل تأمران. هما رأس الحوار، ومركز الثقل، وجهاز الإنذار في الشخصية.
تلك النظرة الطويلة التي تأتي في منتصف الجملة، أو تلك الالتفاتة المفاجئة عند ختام الحوار، ليست حركاتٍ عفوية، بل أدوات ضبطٍ للإيقاع الدرامي.
حين تغضّ بصرها نصف ثانية فقط، يتحوّل الصمت إلى لغةٍ مُرعبة.
وحين تبتسم من دون أن تبتسم عيناها، يصبح الجمال نفسه تهديدًا، ويصير الوجه الجميل فخًّا بصريًا لا مفرّ منه.
جمالٌ لا يطلب التصفيق بل الهيمنة
جمال ميرنا ليس خجولًا ولا ناعمًا، إنّه سلاح.
العدسة لا تُحبّها فقط، بل تخافها أيضًا.
هي تعرف كيف تضع وجهها في الضوء لتلتقط أكثر زاوية استفزازًا ممكنة.
في لحظة واحدة، تستطيع أن تكون فاتنة وقاسية، ناعمة ومُتصلّبة، كأنّها تقول للمُشاهد: اقترب إن كنت تجرؤ.
هذا التناقض بين النعومة والحدّة، بين الفتنة والبرود، هو الذي يُولّد الكره. لأنّها تُشعل في المتلقي الرغبة في الاقتراب، ثم تُطفئها بنظرةٍ باردة.
إنها لا تُعطي المشاهد ما يريد، بل ما يخاف أن يريده.
وهنا تكمن عبقريّة الأداء: في تحويل الجمال إلى مصدرِ قلقٍ بصريّ لا يرتاح له القلب، ولو كانت العين لا تستطيع مقاومته.
لغة الجسد كترجمةٍ للنفس المضطربة
ستيفاني عطالله لا تمثّل بكلماتها فقط، بل بتموّجات الجسد التي تكشف وتخفي في الوقت نفسه.
كتفٌ يُدار ببطء، وظهرٌ لا يُحني، وخطوةٌ متردّدة لكنها تُحسب بالمليمتر.
تتحرّك كأنها تعرف أن الكاميرا تتربّص بكلّ إيماءة، فتُعطيها ما يكفي لتُربكها لا لتُرضيها.
الصوت ليس صراخًا، بل إيقاعٌ داخليّ يذكّرك أن ما يُقال أقلّ بكثير مما يُكتم.
حتى طريقة شربها للماء أو إغلاقها للهاتف تُصبح تمثيلًا مقنّنًا، لا صدفة فيه.
كلّ حركة في أدائها تُحمل معنى مضاعفًا: يدٌ تُرفع لا لتشير، بل لتمنع، خطوةٌ إلى الأمام ليست تقدّمًا بل تحدٍّ، ابتسامة صغيرة تختزل رغبة في السيطرة أكثر مما تختزل لطفًا.
الاستفزاز كعقيدة لا كصفة
لا تُستفزّ ميرنا من أحد، بل تُخطّط لاستفزاز الجميع.
تجيد فنّ إشعال الصراع من دون أن تلوّث يدها بالاتهام.
كأنها مصمّمة على أن تُبقي الجميع في حالة غليان دائم، لا يملكون معها لا الانسحاب ولا المواجهة.
استفزازها ليس ضوضاء، بل إستراتيجية هدوء.
كلّ جملةٍ تقولها مصمّمة لتضرب على عصبٍ ما، فيُكرهها الناس لا لأنهم يكرهونها فعلاً، بل لأنهم يكرهون الإحساس الذي توقظه فيهم.
ولذلك، حين يعبّر الجمهور عن كرهه لها، فهو في الحقيقة يعترف بذكائها.
هي لا تترك مجالًا للراحة، لا في الأداء ولا في التلقّي.
وجودها بحدّ ذاته اختبار لصبر المتلقي، وتحدٍّ لقواعد الحبّ والكراهية في الدراما.
العين بوصلة الشرّ والعاطفة المكبوتة
العين عند ستيفاني عطالله لا تُستخدم لتجميل اللقطة، بل لقيادة الرواية.
في لحظة واحدة، تستطيع أن تنقلنا من العاطفة إلى الكراهية، ومن الخوف إلى الاستسلام.
نظرتها تُذكّرك بالضوء الخافت قبل العاصفة، لا تعرف إن كانت علامة إنذار أم وعدًا بالهدوء.
حين تُحدّق طويلًا، لا تفعل ذلك لإغواء الكاميرا، بل لتستفزّها.
وحين تُنزِل جفنها نصف درجة فقط، تُغيّر إيقاع المشهد بأكمله.
هذا الوعي الدقيق بتفاصيل العينين هو ما يجعل الأداء عند عطالله أقرب إلى تلاعب نفسي بالمشاهدين.
هي لا تمثّل شخصية فقط، بل تتحكّم في إدراكنا لماهيّة الصدق والكذب، الطيبة والدهاء.
الكره كدليل نجاح
أن يكرهها الجمهور، فذلك نصر.
أن يستفزّه حضورها، فذلك ذروة الفن.
الكره هنا لا يعني الفشل، بل اكتمال التجسيد.
فالمشاهد لا يكره إلا ما صدّقه، ولا يصدق إلا ما لامس فيه شيئًا من نفسه.
وهنا، يتجاوز أداء ستيفاني عطالله مجرّد الإتقان التقني.
هي لا تكتفي بأن تكون الشخصية، بل تُصبح المرآة التي يرفض المشاهد النظر فيها.
كره الناس لميرنا هو الوجه الآخر لانبهارهم بها، تمامًا كما يُغضبهم الضوء حين يكشف ما لم يكونوا يريدون رؤيته.
الذاكرة البصرية
بعد انتهاء المشهد، تبقى عيناها في الذاكرة.
ليس الحوار، ولا الحدث، بل تلك اللمعة التي لا تُنسى.
تُرافقك في صمتك، في طريق العودة إلى ذاتك، فتكتشف أنّك ما زلت تراها، وما زال جسدك يستجيب لحضورها الغائب.
هذا ما تفعله الشخصيات النادرة: تبقى بعد انصرافها.
ولعلّ هذا البقاء هو ما يجعل ميرنا حالةً أكثر منها دورًا.
إنها ليست المرأة الشريرة التي تكرهها، بل الجزء الذي حاولت دفنه في داخلك، فعاد إليك من خلال عينيها.
خاتمة
في نهاية المطاف، تُصبح ميرنا وجهًا آخر للحقيقة القاسية: أن الفنّ لا يُريحنا، بل يعرّينا.
أنّ الجمال قد يُصبح أداةَ قسوةٍ حين يُستعمل بوعيٍ بارد.
وأنّ الكره، حين يُوجَّه إلى شخصية كهذه، ليس إلا شكلاً من أشكال الإعجاب المتنكر.
ستيفاني عطالله لا تمثّل فقط، إنّها تكتب بالحركة، تنطق بالصمت، وتؤدي بنبض العينين أكثر مما تؤدي بالكلمات.
وما بين كلّ رمشةٍ وأخرى، تخلق استفزازًا جديدًا، وتجعل المشاهد يتورّط في عاطفةٍ لا يعرف إن كانت حبًّا أم كرهًا.
لكنّ الأكيد أنّه، مثلها، لن يخرج من المشهد سالمًا.
شربل الغاوي
مخرج – صحافي وناقد سينمائي