Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

من حنجرةٍ واحدة… صوتٌ من صخرٍ وماءٍ وهواءٍ يكتب سيرةَ الشرق – شربل الغاوي

ملحم زين

من حنجرةٍ واحدة… صوتٌ من صخرٍ وماءٍ وهواءٍ يكتب سيرةَ الشرق – شربل الغاوي

ملحم زين… حين يتحوّل الصوت إلى سيرة شعب

الصوت الذي لا يُصنع… بل يُولد كاملاً كدعاء

ليس كلّ صوت يُخلق من أجل الغناء؛ بعض الأصوات تولد من رحم الحاجة، من حنجرةٍ كُتِب عليها أن تكون مرآةً للناس أكثر ممّا تكون سلّماً للشهرة. هذا هو حال ملحم زين، الذي لا يمكن أن تُقاس حقيقته بعدد الأغاني أو الأعوام، لأنّه يدخل إلى الوجدان من بابٍ أعمق بكثير من بوّابات الفن. إنّه صوت يشبه في حضوره اللحظة التي يتذكّر فيها الإنسان ذاته، تلك اللحظة التي لا تحتاج إلى سبب، بل إلى همسة صادقة تحرّك الساكن في الروح. منذ الجملة الأولى، تفهم أنّك أمام خامة ليست مصنوعة خلف زجاج الاستوديوهات، بل وُلدت من احتكاك العمر بالتراب، ومن خطواتٍ طويلة عبرت هذه الأرض بحلوّها ومرّها. يكفي أن يخرج حرف واحد من صوته لتشعر بأنّ شيئاً ما في داخلك يتوقّف، وكأنّ نبضاً آخر يبدأ بالعمل؛ نبضٌ يقول لك: هذا الصوت لك… يشبهك… ويشبه الطريق التي سرتَ فيها ولم تخبر أحداً بها.

خامة جبل يشرب من الماء… وحنجرة تحفظ وجوه الناس

في صوت ملحم زين مساحة لا تُقاس، وعمق لا يحدّه ميزان موسيقي. تلك البُحّة التي تجمع في داخلها صلابة رجالٍ عاشوا قسوة الأيام، وحنين نساءٍ يخبّئن دموعهنّ لكي لا يراها أحد، تجعل صوته أكثر من خامة؛ تجعل منه ذاكرةً مجسّدة. طبقاته الواسعة تسكن القرار بثقل يشبه جذور شجرة عمرها مئة عام، وتصعد نحو الجواب بصفاء نافذة تُمسَح عند الفجر، ثم تستقرّ في تلك المنطقة الوسطى، وهي أغنى مناطقه؛ المنطقة التي تشبه قلب الإنسان حين يكون بين الفرح والخوف. إنّه صوتٌ من صخرٍ يعرف القوّة، ومن ماءٍ يعرف اللطف، ومن هواءٍ يعرف كيف يمرّ على الجرح من دون أن يؤذيه. كلّ نغمة في صوته تبدو مرتبطة بسلسلةٍ كاملة من الوجوه والقصص: أبٌ غاب ولم يعد، أمّ كان صوتها وحده يربّي، طفلٌ نام باكراً لأنّه تعب من انتظار الغد، وشابّ حمل أحلامه على كتفه ومشى. حين يمدّ النغمة، تشعر أنّ الكون يتّسع قليلاً كي تمرّ، وتشعر أنّ الزمن نفسه يتباطأ احتراماً لها. وإنْ كان شدّ النغمة تقنية عند غيره، فهي عنده حالة يتشكّل معها الهواء، وكأنّه يعيد ترتيب الحروف في صدرك قبل أن يصلها إلى أذنك.

تقنية تمشي على أطراف المعنى… لا على حبل الاستعراض

الكثيرون يملكون أصواتاً جميلة، لكن قلّة يعرفون كيف يحوّلون الجمال إلى صدق. ملحم زين واحد من هؤلاء النادرين. لا يستعمل صوته كقوّةٍ خارقة يلوّح بها، بل كأمانة يخشى أن يخونها. النفس عنده ليس هواءً فقط، بل جملة موسيقية تُبنى عليه؛ جملة لا تُقطع لغايةٍ استعراضية، ولا تُسرَّع لكي يلحق بالموجة. هو يملك تلك القدرة الدقيقة على توزيع الهواء، كما يوزّع شاعرٌ ماهر أنفاس القصيدة. يبدأ منخفضاً، ثم يرتفع ببطءٍ محسوب، ثم ينحسر في اللحظة التي يصل فيها المعنى إلى قمّته، فيترك في السامع أثراً أطول من مدّة السمع نفسه. أمّا الرجفة التي تظهر في صوته، فهي ليست رجفة خوفٍ أو استعراض، بل رجفة معنى. تبدأ النغمة مستقيمة، ثم تخترقها تلك الرعشة في اللحظة التي يحتاج فيها الكلام إلى قلب، لا إلى حنجرة. وعندما يطرب، لا يطرب لأنّ المقام يطلب ذلك، بل لأنّ اللحظة تطلب. التطريب عنده باب يفتح على عمقٍ ما، ثم يُغلقه برفق حتى لا يضيع المستمع في متاهة التزيين.

أداء يملك أذنين… واحدة للموسيقى وأخرى لقلوب الناس

على المسرح، تبدو الأشياء معه مختلفة. ليس هناك استعراض عضلات صوتية ولا محاولة لسرقة الضوء. يقف كمن يعرف أنّه ليس وحده؛ كمن يعرف أنّ أمامه قلوباً لا مقاعد، وأنّ خلفه موسيقيين ليسوا خلفيةً، بل شركاء في الرحلة. له أذنان في اللحظة نفسها: أذن تمشي مع العود والناي والإيقاع خطوة بخطوة، وأذن أخرى تُصغي لنبض الجمهور، لصمتهم، لدمعتهم، ولضحكتهم الخجولة. يعرف متى يجب أن يبتعد عن الميكروفون ليترك للناس أن تغنّي، ومتى يقترب ليرسل جملة كأنّها مكتوبةٌ لشخصٍ واحد ينتظره في آخر القاعة. وحركاته الصغيرة تقول الكثير: إيماءة يد ترفع جملة كاملة، التفاتة نحو فرقة تغيّر المزاج، ابتسامة تهدّئ الضجيج كلّه. وقوفه بحدّ ذاته يروي حكاية؛ وقفة رجل يحمل صوته كما يحمل المرء شيئاً غالياً لا يثقّل به الآخرين، بل يقدّمه لهم برفقٍ وطمأنينة.

شخصية تحمل الفن كما تُحمل الأمانة في البيوت القديمة

حين تغادر الصوت إلى الرجل، تكتشف أنّك لا تغادر شيئاً، بل تدخل إلى عمقه. في شخصية ملحم زين صدق يجعلك تشعر أنّه لا يلعب دور الفنان، بل يعيش دوره الحقيقي كإنسان. يشبه الرجل الشرقي حين يكون في أجمل حالاته: كريم القلب، نظيف اليد، ثابت الموقف، عميق الإحساس. لا يركض خلف ضوضاء العناوين، ولا يبيع لحياته الخاصة تذاكر فضول. يعرف أنّ الفنان الذي يدخل بيوت الناس بصوته، لا يحتاج أن يقتحمها بصوره. تواضعه ليس لافتة، بل طبيعة؛ ليس أسلوباً، بل روح رجل يعرف أنّ الشهرة لا تخلق قيمة، بل تكشفها. وحين يغنّي للأم، تشعر أنّ أمّه واقفة خلفه. وحين يغنّي للوطن، تشعر أنّ ترابه على كتفيه. وحين يغنّي للحب، تشعر أنّه يعرف أكثر ممّا يقول.

اختيارات تمشي على خيطٍ مشدود بين الأصالة والآن

في زمن تتسابق فيه الأغاني لتكون صاخبة، يختار ملحم زين أن يبقى قريباً ممّا هو ثابت؛ من جملة واضحة، من لحن نبيل، ومن كلمة تُحترم. لا يطارد الموضة لأنّها سريعة، ولا يتقوقع في الماضي لأنّه يعرف أنّ الزمن يمشي. يمسك العصا من منتصفها: يحمي الطرب من السقوط، ويمنح الحداثة فرصة أن تتزيّن بصوتٍ نظيف. الكلمات عنده تشبه الناس: بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، قريبة وبعيدة في لحظتها، لا تسقط في الرخص ولا ترتفع إلى الكهنوت. الموسيقى معه لا تُحدِث ضجيجاً، بل تنحت طريقاً نحو القلب؛ طريقاً يعرف الجميع أنّه قديم وحديث في الوقت نفسه.

خلاصة… صوت إذا عبر فيك ترك شيئاً لا يُمحى

في النهاية، لا يبقى من ملحم زين مجرّد صوت، بل أثر. أثر يشبه تلك اللحظة التي ينزل فيها المطر على أرضٍ جافّة؛ لا يطرق الباب، ولا يستأذن، لكنّه يترك وراءه خُضرة لا يعرف أحد كيف جاءت. صوته لا يمرّ من أذنك وحسب، بل يدخل إلى غرفة بعيدة في صدرك كنت تظنّ أنّ لا أحد يعرف طريقها. لو مرّ صوته على حجر لتصدّع، ولو مرّ على جرح لنام، ولو مرّ على قلبٍ معتم لانفتح فيه شباكٌ صغير على ضوءٍ بعيد.

ملحم زين ليس اسماً في خارطة الفن، بل علامةً في ذاكرة الناس. وإن غاب صوته، غاب معه جزء من صورة هذا الشرق عن نفسه، لأنّه من القلائل الذين، حين تنتهي أغنيتهم، لا ينتهي حضورهم، بل يظلّ صدى نبرتهم يمشي معك قليلاً… ثم يتركك أقوى ممّا كنت.

شربل الغاوي

مخرج – صحافي وناقد سينمائي