
جهاد محفوظ يكتب ويلحن ويغنّي ممنوع : الحبّ كوصيّة أخيرة – شربل الغاوي
في ممنوع، لا يكتب جهاد محفوظ أغنية، بل يسكب قلبًا على الورق ثم يعيده صوتًا. النصّ ليس كلام عاشقٍ يتغزّل، بل روحٌ تقف على حافة الفقد وتتشبّث باسمٍ واحد كي لا تسقط. عا قد ما بشتاق لعيونك ليست عبارة شوق، بل ميزانًا يُقاس به الوجع حين يفوق احتماله، وحين يتحوّل الغياب إلى اختلالٍ في الكينونة. صاير أنا عم جن من دونك؛ الجنون هنا ليس مبالغة، بل تشخيصًا دقيقًا لروحٍ أُزيح عنها مركز ثقلها.
كلمة ممنوع تتكرّر كقَسَمٍ داخلي، كوصيّة تُقرأ على نفسها قبل أن تُقال للآخر. ممنوع تفلّي، ممنوع تخلّي… كأنّ العاشق يسنّ شريعة حبّ لا تسمح للفراغ أن يدخل، ولا للوقت أن يسرق حضوره. وعندما يقول ما الروح لما تروح يبقالنا وجودك، يبلغ النصّ ذروة البلاغة: الحبيبة ليست شخصًا يُشتاق إليه، بل المعنى الأخير الذي إن غاب، بقي الجسد بلا تعريف، وبقي الاسم يتيمًا، وبقي العالم ناقصًا.
اللحن يمشي بهدوء من يعرف أنّ الصراخ يكسِر الاعتراف. جملة موسيقية متقشّفة، تعرف أن الترف عدوّ الصدق، وأنّ النغمة إن لم تُصغِ للقلب خانته. لا زينة تُشتّت، ولا استعراض يُغري؛ كل مسافة صمت مقصودة، وكل عودة لحنية كأنها يدٌ تُمسك بالجرح كي لا ينزف أكثر.
أما الصوت، فيأتي محمّلًا برجفة إنسان لا يغنّي بقدر ما يعترف. لا يتصنّع الانكسار ولا يتباهى بالقوّة؛ يمرّ بينهما بإنصافٍ موجع. حين يقول ممنوع تروحي يا روحي، لا يأمر ولا يتوسّل، بل يستحلف الوجود أن يبقي الباب مواربًا، لأنّ الإغلاق الكامل يعني العدم.
ممنوع قصيدة مسموعة، تُقال بقدر ما تُنزَف. أغنية لا تطلب دموعك، بل تستخرجها من صمتك. تبكي الحجر لأنّها لا تحاول تليينه، بل تضعه أمام حقيقة الحبّ حين يكون صادقًا إلى هذا الحدّ: إمّا حضورٌ يُقيم في الروح، أو غيابٌ ينسف المعنى كلّه.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي