جوليا قصّار… أيقونة الفن الكلاسيكي - شربل الغاوي

جوليا قصّار… أيقونة الفن الكلاسيكي - شربل الغاوي

هناك فنانة لا تدخل الشاشة… بل تدخل القلب. لا تطرق أبواب الشهرة الصاخبة، بل تزرع في الوجدان بذور شعورٍ لا يزول. ليست ممثلة عادية، بل مرآة تُطلّ منها الحياة بكلّ ما فيها من شقاءٍ وحنين، من قسوةٍ وغفران. جوليا قصّار، هذه القامة المديدة في فنّ الأداء، لا تُقدّم دورًا بقدر ما تخلق حالة، لا تكرّر الشخصية بل تنحتها من عمق الإحساس، حتى تغدو مخلوقًا جديدًا يولد من رحم اللحظة.

هي فنانة تُشبه الحرف حين يكتب بدم القلب، تُشبه الضوء حين يمرّ من شقوق جدار قديم، فتكشف ما كان مختبئًا خلفه من شروخ وأسرار. كل ظهور لها ليس حدثًا فنيًا عابرًا، بل نبضًا داخليًا يوقظ فينا أسئلة عن الحب، عن الألم، عن حقيقة الإنسان حين يتعرّى من كل أقنعته.

في عالمٍ يتكاثر فيه الأداء المسرحي على حساب العمق، تُعيد جوليا قصّار تعريف المعنى الحقيقي للتمثيل: أن تُصبح الشخصيّة، أن تسكنها وتسكنك، أن تحمِل على كتفيك وجعها، وحيرتها، وصمتها، حتى لا تعود تفصل بين ما هو مكتوب وما هو محسوس. هي لا تؤدّي الدور، بل تحوّله إلى اعتراف حيّ، إلى مرآة يُطل منها المتفرج على نفسه، لا على غيره.

حين تصمت، لا يكون الصمت خواء، بل امتلاءً مزلزلًا. وحين تتكلم، لا تلهث الكلمات، بل تسير ببطءٍ مهيب، كمن يمشي فوق جراح مفتوحة. لغتها الفنية لا تُنطق فقط، بل تُلمس. من نظرة العين إلى ارتعاشة اليد، من انكسار النظرة إلى خفوت النفس… كل تفصيل لديها يحمل رسالة أعمق من النص، ويعبّر عمّا لا يُقال.

إنّ جوليا لا تصنع تأثيرها بالصوت المرتفع، بل بالقلب الذي ينكسر دون أن يُرى. حين تجسّد القسوة، لا تفعلها من خارج، بل من داخلٍ موجوع، وكأنها تعرف جيدًا أن أكثر الوجوه صلابةً قد تكون أكثرها حاجة إلى الحب. وحين تنكسر، لا تنهار، بل تهتز كأنّها شجرة ضربها البرق، وما زالت واقفة.

في أدوارها، تسير بنا في مساحاتٍ رمادية بين الأبيض والأسود، تُظهر لنا هشاشة الإنسان خلف أقنعته، وغرور السلطة خلف حاجته إلى الحنان. تتنقل بين العناد والندم، بين السيطرة والعجز، بين الغضب والحاجة إلى الغفران، دون أن تفقد ملامحها أو تفقدنا معها. كل انتقال من حال إلى حال، تكتبه بجسدها، بتنهّداتها، بتردد الكلمات على شفتيها وكأنّها تخرج من بئرٍ قديم.

لا تقترب جوليا من المشهد كممثلة تحفظ النصّ، بل كمَن يعيد خلق الشخصية من ذاكرتها العاطفية، من مخزونٍ داخلي لا نعرفه، لكنه يشبهنا. وحين تصل الشخصية إلى ذروتها، لا تنفجر، بل تتداعى أمامنا بصمتٍ رهيب، كأنّنا نشهد انهيار جدار كان يسند العمر كله.

إنها تُجيد صناعة اللحظة الخالدة: لحظة تشبه البوح، فيها من الذنب ما يُغرق، وفيها من التوق إلى الغفران ما يُنقذ. تجعلنا نحب الشخصية رغم عيوبها، نبكي عليها رغم قسوتها، وننتظر منها، دائمًا، لحظة صدق تُنقذها من ضياعها. وهي، في كل مرة، تمنحنا هذه اللحظة.

جوليا قصّار لا تترك دورًا دون أن تزرع فيه أثرًا خالدًا. لا تعبر الشخصيات، بل تسكنها. لا تروّضها، بل تصادقها. تُصالح فيها بين التناقضات، وتصنع من ضعفها قوّة، ومن انهيارها معنى. حتى لحظة الموت التي قدّمتها في أحد أعمالها، لم تكن موتًا عاديًا، بل غفرانًا أخيرًا يُختصر فيه كل الألم والندم والعمر الضائع.

في شخصياتها، ثمة أم قاسية لا تعرف أن تحب، ثم تتعلّم. امرأة مكسورة لا تعترف، ثم تعتذر. عاشقة تحمل خيبة، لكنها تحب حتى الرمق الأخير. هي امرأة متعددة الوجوه، لكن جميعها حقيقي، وكلّها صادق، وكلّها يقول شيئًا منّا.

هذا الأداء لا يصنعه التدريب وحده، ولا تقنيات التمثيل، بل روح الفنان. وجوليا قصّار تمتلك هذه الروح… روحًا تذوب في الشخصية، ثم تُخرجها إلينا كأنها تشبهنا تمامًا، أو تشبه من كنّا نخشى أن نكونه.

حين نتحدث عن فنّها، فنحن لا نصف مشاهد، بل نصف تأثيرًا. لا نحلل حركات، بل نتأمل مشاعر. لا نروي قصة، بل نسترجع صمتًا ظلّ يرافقنا بعد انتهاء العرض. جوليا قصّار ليست ممثلة تتقن أدوارها فحسب، بل هي فنانة تخلق أثرًا يظلّ حاضرًا فينا، حتى بعد أن تُطفأ الأضواء وتغلق الستارة.

هي الضوء نفسه… لا تحتاج أن يُسلَّط عليها، لأنّها تُشعّ من الداخل. تحمل في ملامحها ذاكرة شعب، وفي صوتها صدى امرأة تحب وتُخطئ وتُسامح، وفي أدائها دهشة الفن حين يلامس حقيقة الإنسان.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي

  • Share