
بسام كوسا : البطل .. دراما تنهض من بين الركام لتحكي حكاية وطن
منذ اللحظات الأولى لعرض مسلسل “البطل”، يدرك المشاهد أنه أمام عملٍ مختلف، لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يغوص في عمق المعاناة، يلتقط نبض الألم والرجاء في آنٍ معًا. ليس مجرد عملٍ يمرُّ عابرًا، بل تجربةٌ وجدانيةٌ تمسُّ الروح، وتجعل من الشاشة مرآةً تنعكس عليها أوجاع السوريين، بجراحهم المفتوحة، وتفاصيلهم التي تنبض بالوجع، ومع ذلك، يبقى هناك بصيص أملٍ يرفض أن ينطفئ وسط العتمة.
في “البطل”، لا تبدو الحرب مجرد صراعٍ على خرائط أو حدود، بل زلزالًا يضرب القلوب قبل البيوت، ويفتّت الأسر قبل الجدران، ويشتّت الأحلام قبل أن يصيب المدن بالدمار. ليست الحرب هنا هديرًا للمعارك فقط، بل صمتًا خانقًا يزحف إلى البيوت، يقتحمها من الداخل، يحوّل الحبَّ إلى ترفٍ، والدفءَ إلى حلم، والمنامةَ إلى معركةٍ يومية تُخاضُ تحت سقفٍ قد ينهارُ في أي لحظة. وسط هذه القسوة، تتردد جملةٌ تختصر المأساة كلها: قلة الرحمة نهشتنا من الداخل، والقسوة لا يغلبها إلا المزيد من القسوة، لقد عشنا زمنًا مخيفًا… بقسوته وقسوتنا.
وجوه تتقاسم البطولة.. وأدوار تتقاطع مع الحياة
ليست البطولة حكرًا على فردٍ واحد، فالحكاية لا تدور حول شخصٍ بعينه، بل عن معاناةٍ جماعية، أبطالها أناسٌ عاديون وجدوا أنفسهم وسط إعصارٍ لا يرحم، يبحثون عن طوق نجاة، عن لمسة دفء، عن زاويةِ منامةٍ آمنةٍ لا يهددها قصفٌ أو بردٌ أو خوفٌ متربص.
يتقاسم البطولة بسام كوسا ومحمود نصر، في أداءٍ لا يقتصر على تجسيد شخصياتٍ درامية، بل يعكس انعكاسًا حيًّا لكل من عاش هذه الحرب وعانى تبعاتها. كلٌّ منهما يحملُ على كتفيه جزءًا من المأساة، يرسم ملامح أناسٍ حقيقيين، تتجاذبهم الحيرة بين البقاء والمغادرة، بين الأمل والانكسار، بين حبٍّ يستنزفه الانتظار، وخوفٍ ينهشُ الروح دون هوادة.
المأساة في أدقّ تفاصيلها: الحبّ الذي صار ترفًا، والمنامةُ التي تحوّلت إلى معركة
لا يذهب “البطل” إلى الحكايات الكبرى فقط، بل ينفذُ إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تحمل في جوفها كلّ الألم. كيف يعيش العشاق حين يصبح اللقاء أمنيةً مؤجلة؟ كيف يصبح الاتصال الهاتفي حدثًا عظيمًا حين تنقطع الكهرباء، ويغدو شحن الهاتف رفاهيةً لا يمكن ضمانها؟ كيف يتحوّل الفراشُ إلى حلمٍ حين تصبح البطانيةُ حصنًا أخيرًا أمام بردٍ ينخرُ العظام؟ وكيف يصبح النومُ معركةً تُخاضُ ضدّ صوتِ المدافع والرعب المتربّص خلف الجدران؟
المأساة ليست فقط في الفقدان، بل في أدقّ التفاصيل التي تبدّلت، تلك التي لم يعد أحدٌ يفكر بها عند الحديث عن الحرب، لكنها وحدها تصنع الفرق بين الحياة والموت، بين البقاء والانهيار. وكأن المسلسل يهمس للمشاهد: لقد عشنا زمنًا مخيفًا… بقسوته وقسوتنا.
بين الدولة والفرد: حين تصطدم النوايا الطيبة بجدار الواقع
لا يرسم “البطل” خطوطًا واضحةً بين الخير والشر، ولا يُلقي بالأحكام، بل يترك الصورة كما هي، بكل تعقيداتها وتشابكاتها. الدولة تحاولُ أن تمدّ يدها، لكنها تصطدمُ بجدارٍ من العجز والقيود، والأفرادُ يبادرون، لكن الطريق محفوفٌ بالخطر، وكل خطوةٍ يدفعون ثمنها وحدهم.
بين من ينتظر الحلّ ومن يسعى لصنعه، يرسم المسلسل معادلةً صعبةً بلا إجابةٍ جاهزة: هل نتركُ التغييرَ للمجهول، أم نصنعه رغم كل شيء؟ هل يمكن للحب أن يكون أقوى من الحرب، أم أن القسوة لا تهزمها إلا قسوةٌ أشد؟
دراما لا تسرد فقط.. بل تشهد وتحفر في الذاكرة
يستند المسلسل إلى فكرةٍ مستوحاةٍ من مسرحيةٍ للراحل ممدوح عدوان، صاغها نصًّا الدراميّان الليث حجو ورامي كوسا، ليحوّلها الليث حجو بعدسته إلى عالمٍ ينبض بالحياة رغم الموت، صورٌ تنبثق منها المشاعر قبل الكلمات، وأداءاتٌ تمنح الحكايةَ روحًا تتجاوز الشاشة، لتصبح تجربةً محفورةً في الوجدان.
لا يروي “البطل” قصةً عادية، بل يكتب شهادةً دراميةً على زمنٍ ستبقى ندوبه شاهدةً على من مرّ فيه، من نجا، ومن ترك قلبه هناك، وسط الركام. وفي لحظة مكاشفة، يهمس أحد الأبطال: قلة الرحمة نهشتنا من الداخل.
البطل .. حين تصبح الدراما ضميرًا للألم، وذاكرةً لا تموت
ما يقدّمه “البطل” ليس عملًا يُتابع وينتهي، بل تجربةٌ شعوريةٌ تُعيدُ للدراما دورها الحقيقي: أن تكون شاهدةً على الإنسان في أشدّ لحظاته ضعفًا وقوة، أن تُحاكي تلك الأرواح التي جُرّدت من أبسط حقوقها، وأن تُذكّرنا بأن البطولة لا تكمن في المعارك والانتصارات، بل في البقاء، في الصمود، في القدرة على الحلم وسط الرماد، في التمسّك بالحبّ رغم المسافات، في البحث عن الدفء رغم البرد، عن النوم رغم القلق، وعن الحياة وسط كل هذا الموت.
ومع توالي الحلقات، تبقى الأسئلة مفتوحةً، والمصير مجهولًا… إلى أين ستأخذنا القصة؟ وأي الطرق ستسلكها شخصياتها؟ سننتظر الحلقات القادمة لنرى كيف ستُكمل هذه الحكاية، وأيّ الأقدار ستكتبها الدراما لوجوهها المتعبة… وأحلامها المؤجلة.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment