Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

غبريال يمين… حين لا تُصدّق أنك أمام ممثل – شربل الغاوي

غبريال يمين

غبريال يمين… حين لا تُصدّق أنك أمام ممثل

في زمنٍ يُعاد فيه تدوير الوجوه والأدوار، ويتكرّر الممثل في شخصيته كما يتكرّر الصوت في صدى ممل، يخرج غبريال يمين من هذه المعادلة الرتيبة، ليشقّ مساره الخاص في صخر التمثيل لا في ترابه. ممثل لا يتكئ على الحظ، ولا على خفة الانتشار، بل على نَفَسٍ طويل يُشبه الحفر في الصمت، ونارٍ هادئة تُنضج الشخصية من الداخل، حتى تنطق بلهيبها لا بكلماتها.

هو الممثل الذي لا يخشى التجاوز، بل يسكنه القلق الخلّاق، ويأبى أن يستكين لنجاحٍ سابق مهما كبر. لا يكرّر نفسه، ولا يسمح لشخصية أن تُقيّده، حتى ولو كانت محبوبة جماهيريًا، وعاشت في ذاكرة الناس لسنوات.

منذ إطلالته البارزة في شخصية “صابر”، ذاك الرجل الفضولي الذي كان يقتحم المشهد كما يقتحم الغريب بيتًا يعرف تفاصيله ولا ينتمي إليه، أدرك الجمهور أن في غبريال يمين شيئًا مختلفًا. كان حضوره آنذاك يحمل من الطرافة ما يثير، ومن العبث ما يُضحك، ومن المفاجأة ما يُربك. ومع ذلك، فإن “صابر” – رغم شعبيته – لم يلبس غبريال يمين كما تلبس الشخصيات بعض الممثلين وتلتصق بهم حتى آخر مشوارهم. لم يصبح لقبًا مرافقًا له في كل ظهور، ولم يحصره في زاوية واحدة من الأداء.

وذاك تحديدًا ما يُعدّ إنجازًا نادرًا: أن تنجح شخصية وتُحبّ من الناس، ثم تتوارى خلف ممثل استطاع أن يتجاوزها، ويُنسي جمهورها أنه كان هو من جسّدها.

من “صابر” المندفع إلى الممثل المتحوّل… بين الهامش والهيبة

لا يتعامل غبريال يمين مع الدور كمجرّد مهمة، بل كرحلة وجودية تبدأ من الداخل. الشخصية لديه ليست هيكلًا يُلبس، بل كائنًا حيًّا ينمو، يتنفس، ويُعيد تشكيل الممثل من جديد. لا يُجيد التمثيل بوصفه محاكاة خارجية، بل يمارس التقمّص كفعلٍ روحي، كأن كل شخصية تنبت فيه بجذورها، وتتمدد في نبضه حتى تُصبح لحمه ودمه.

هو من أولئك القلائل الذين يجعلون من الصمت لغة، ومن النظرة خطابًا، ومن الإيماءة تاريخًا. لا يعلو صوته إلا حين يريد للصمت أن ينهار، ولا يتحرّك إلا حين تتطلب الشخصية ذلك، وكأن كل حركة منه مدروسة بإبرة دقّت في جرح، لا بزخرفة مسرحية.

وفي هذا تكمن فرادته: ممثل لا يُتاجر بالصدق، بل يُراهن عليه. يمشي فوق خيطٍ مشدود بين التوازن والانفجار، بين التحكم والانهيار، بين أداء يُشبه المشهد، وأداءٍ يُشبه الحياة.

كل شخصية هي كونٌ مستقلّ… وارتباكٌ جديد للمشاهد

بين المرهف والعنيف، بين المحبّ والجلّاد، بين القوي والمكسور، يجسّد غبريال يمين وجوه النفس البشرية كما لم نعتد أن نراها. لا يُجمّل الخير، ولا يُقزّم الشر، بل يكشف هشاشة الاثنين، ويرينا الإنسان في لحظاته العارية. يجعلك تتعاطف مع الجلاد، وتشكّك بالضحية، ويقودك إلى هاوية الأسئلة بدل راحة الأجوبة.

يمتلك قدرة نادرة على تحويل الشخصية إلى مرآة مكسورة، كل كسر فيها يعكس زاوية مختلفة من حقيقتها. هو لا يقدّم دورًا، بل يحرّضك على اكتشافه، وتحليله، وربما… أن ترى نفسك فيه.

هكذا يبني يمين أداءه: من الداخل. من النَفَس الذي يسبق الكلام، ومن الخوف الذي يسبق الانفعال. حين يصمت، يُنطقك. وحين ينظر، يهتزّ فيك شيء قديم. وحين يمشي، تشعر بأن خطواته تسبق ظلك.

التمثيل حين يكون كائنًا حيًا… لا وظيفة تُؤدّى

ليس من المجازفة القول إن غبريال يمين لا ينتمي إلى زمن الأداء السريع، بل إلى زمن الممثلين الصانعين، الذين لا يُقاس أثرهم بعدد الأعمال، بل بمدى ما يتركونه من رجفة في القلب بعد كل مشهد. هو من أولئك الذين لا يسعون إلى التصفيق، بل إلى التورّط العاطفي. لا يقدّم متعة لحظية، بل أثرًا يُرافقك كذكرى ثقيلة.

هو الذي يعرف أن التمثيل لا يصنعه الضوء الخارجي، بل تلك النار الداخلية التي تشتعل ببطء، لتُنضج الشخصية في عتمة الصدق، لا في بهرجة الواجهة.

في الختام: غبريال يمين… الذاكرة التي لا تحتاج إلى أسماء الشخصيات لتبقى

في عالمٍ يركض فيه الممثلون خلف الشهرة، يختار غبريال يمين أن يترك أدواره تركض خلفه. لا يحتاج إلى أن يتماهى مع شخصية كي تبقى في ذهن الجمهور، بل إلى أن يلبسها كما يلبس الحقيقة… ثم يخلعها دون أن تخلعه.

هو ذلك الفنان الذي استطاع أن يكون “صابر” دون أن يبقى فيه، وأن يمرّ في أدوارٍ كثيرة دون أن يُمحى فيها، وأن يجمع نقيض الشخصيات دون أن يتشظّى. تتعدّد وجوهه، لكن صوته الداخلي واحد: صوت التقمّص الصادق، والتعبير النظيف، والتجسيد الذي يُشبه الوحي أكثر مما يُشبه التمثيل.

غبريال يمين… ليس مجرد اسم. بل ذاكرة تمثيل، وظلّ صدق، وصوتُ شخصياتٍ مُتعبة تبحث عمّن يُنصفها على الشاشة، فتعثر فيه على ضالّتها.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment