
ربيع بارود: المطر الذي يتساقط من الحنجرة
منذ بداياته، لم يضع ربيع بارود رجليه على سكّة الغناء الشائع، بل انتقى دربًا أقلّ ازدحامًا وأكثر عمقًا، مساره ليس معبّدًا بالأضواء المصطنعة، بل بمصابيح القلب، وأمانة الصوت، وخشوع اللحن. لم يغنِّ ليرتفع صوته، بل ليهبط إلى الداخل… حيث تُقيم المشاعر في عزّ تواضعها، ويُقيم المستمعون في احتياجهم إلى ما هو حقيقيّ.
ربيع ليس فنانًا يُغني على قياس السوق، بل صوتٌ يغزل ذاته على نول الذاكرة. لا يقف على مسارح الضجيج، بل على منصّات الشعور. في صوته طراوة الحنين، وهدأة الأمسيات الطويلة، ونغمة تُشبه بوح النافذة المفتوحة على اللامرئيّ. إنه الصوت الذي لا يُلغي الصمت، بل يُقيم معه صداقة حميمة، ويجعله خلفيةً لبوحٍ نادر.
حين تسمعه في “يا حب”، تشعر أنّه لا يخاطب الحبيبة بقدر ما يُحاور الحبّ ذاته، كأنه يهمس له: “كن خفيفًا علينا، فقد تعبنا من ثقل التعلّق”. في أغنية “ليل”، لا يعبر الليل كزمنٍ مظلم، بل ككائنٍ حيّ يُحادثه ويرتجف في حضرته. أما في “اشتقتلك كتير”، فهو لا يغني الشوق، بل يُعيد تشكيله، يجعل منه صلاةً من دون طقس، ووجعًا مبلولًا بالصدق.
في “خايف سمّيكي عمري”، نُطلّ على فلسفةٍ كاملة في الحبّ، على خوفٍ لا يأتي من قلّة الحبّ، بل من امتلائه، من إدراك أن التسمية قد تعني استسلامًا أبديًّا لمصيرٍ لا يُمكن التراجع عنه. هذه الأغنية وحدها كفيلة بأن تضع ربيع في مصافّ كبار المفسّرين العاطفيين، فهو لا يصف الشعور، بل يغوص فيه حدّ التورّط.
ثمّة بُعدٌ روحيّ في أدائه لا يُرى بالعين المجردة، بل يُلمس بالحسّ، ويُدرك بالبصيرة. من يسمعه في “متل الشتي”، يدرك أنّ الصوت قادر أن يُشبه المطر، لا في انهماره فقط، بل في دفقه العاطفي، في نقائه، وفي تلك الرجفة التي يتركها على الأكتاف والقلوب. كل نغمة هناك، كقطرة، كل جملة كغيمة، كل شجن كخريفٍ صغير.
ورغم أنّ ربيع هو الصوت، إلا أنّه أيضًا الروح خلف اللحن. لحّن معظم أغانيه بنفسه، لا ليثبت مهارة، بل لأنه يعرف أن اللحن ليس مجرد إطار للقصيدة، بل كينونة كاملة تحتاج إلى من يَعبُرها بصدق. في “أول فرصة”، يمنحنا درسًا في الغفران، وفي “ورجعتلا”، ينسج العودة على مهل، بخيوط من ندمٍ ناعم. أما “طيبو”، فهي أغنية لا تُوجّه فقط للحبيب، بل للإنسان في هشاشته، في وحدته، في انكساره. و“عمري إلك”، ليست وعدًا بالحبّ، بل تسليمًا كاملاً بالانتماء… أغنية تشبه العهد، لا الإعجاب العابر.
إنّه لا يتعامل مع الأغنية كمنتج، بل ككائن حيّ، له نبض، وله مزاج، وله ذاكرة. لذلك، حين تُصبح أغانيه مرآة لنا، لا يكون ذلك صدفة، بل لأنّه يغنّي من قلبٍ يشبه قلوبنا، ولكنّه يجرؤ على البوح بما نخشى الاعتراف به.
ولعلّ أجمل ما في ربيع بارود، هو وفاؤه لصوته، لنبرته، لهويّته الفنيّة. لم يُغيّر جلده يومًا، لم ينخرط في سباق الترند، لم يلبس الثوب الذي لا يُشبهه فقط لأنّه “رائج”. ظلّ يُغنّي بنفس الطريقة التي نكتب بها في دفاترنا القديمة، بنفس الصدق، بنفس الإحساس، بنفس الرجاء بأن يُصغي أحدهم من دون أن يطلب شيئًا سوى أن يُفهم.
في زمنٍ بات فيه الصوت سلعة، واللحن شعارًا، والكلمة وسيلة للفت النظر، يجيء ربيع كاستثناء… كأغنيةٍ تمشي عكس الوقت، لا تسعى للانتشار، بل للخلود. لا ترفع الصوت، بل تُنزل السكينة.
ربيع بارود لا يصرّ على أن يكون نجمًا، بل يكتفي بأن يكون نديمًا… يجلس إلى جانبنا في العتمة، يضع على الموجوعين غطاءً من لحن، وعلى المشتاقين قبلة من نبرة.
يكفي أن تسمعه مرّة، حتى يصبح صوته أحد معالمك الداخلية. وحين تشتدّ عليك الذكرى، لا تفتح الأغاني… بل تفتّش عنه، لأنه، ببساطة، يُشبهك… بصوته، بصدقه، وبذاك الحزن الجميل الذي لا يُبكى… بل يُغنّى.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment