Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

روني براك… مجنون الإيقاع وناسك النغمة – شربل الغاوي

روني برّاك

روني براك… مجنون الإيقاع وناسك النغمة

حين تطلّ نقراته من قلب الصمت، تشعر وكأن شيئًا ما في داخلك قد بدأ يتذكّر. ليس رنينًا تسمعه، بل رجعُ حياة. فـروني براك ليس مجرد عازف، بل كائنٌ إيقاعيّ، رجلٌ يتعامل مع الصوت كما يتعامل القديس مع صلاته، وكما يتعامل النحات مع الحجارة… بحبّ، بجنون، بحدسٍ لا يُفسَّر.

هو لا يعزف الآلة… بل هو الآلة. لا يطرقها، بل يسكنها. يذوب فيها حتى يصبح من لحمها، ومن جلدها، ومن فخارها. وكأن الطبل حين خُلق، خُلق ليجد فيه هو بيتًا. ومنذ تلك اللحظة، صار العزف عنده طقسًا، والضرب حكاية، والاهتزاز وحيًا.

إيقاع لا يُقال… بل يُشعر

كل ما في أدائه يتجاوز المهارة. هو لا يعزف ليستعرض، بل ليُفصح، ليُعرّي شيئًا ما في الداخل. نقراته لا تُشبه غيرها: هي ليست مجرد أصواتٍ متراتبة، بل جُملٌ من حنين، نبضٌ من الحكايات، توتّرٌ يُشبه الحبّ في بداياته.

يضرب الطبل، كأنّه يقرع على أبواب الذاكرة. تارة كأنه يوقظ طفولة منسية، وطورًا كأنه يعلن الحرب على الصمت. هو لا يطلب الإعجاب… بل المشاركة. لا يريد تصفيقًا، بل أن يدخل فيك. أن يُحدِث فيك شيءً لا تعرف اسمه.

التقنية حين تتلبّسها النبوءة

روني لا يخطئ، لكنه لا يتكرّر. تراه دقيقًا حدّ الجراحة، ومجنونًا حدّ الهذيان. لا يَضرب الضربة نفسها مرتين بنفس المعنى. فكلّ صوتٍ عنده ابن لحظته، لا قبله ولا بعده. لا عزفٌ محفوظ، بل اكتشافٌ حيّ. كل مرة، هو يقف على المسرح ليكتشف نفسه من جديد.

اليد تتحرّك بثقة المتمرّس، لكنّ القلب يسبقها كغيمة حمراء. الرأس ينخفض كمن يُصغي لوحي، والعينان تغيبان في مدار آخر. حتى حركات جسده تُصبح من الإيقاع: الارتجافة، الانحناءة، الخفقة، كلها جزء من اللغة التي لا تُكتب.

فرادة لا تُشبه أحدًا… لا حتى الزمن

لم يكن يومًا تابعًا لموجة، ولا ابنًا لصيحة. هو تيّار قائم بذاته. لا يشبه أحدًا، ولا يحاول أن يُشبه أحدًا. يعزف كما يشاء، وكما يشعر، لا كما يُتوقّع. يشبه الصاعقة حين تأتي بلا موعد، ويشبه المطر حين يتكلّم بلغة التراب.

كل عرضٍ له هو عرضٌ جديد. كل ضربة هي وحيٌ لحظيّ. هو لا يسترجع ما أدّاه… بل يخلقه من جديد. تمامًا كما يكتب الشاعر قصيدته من وجعه، يكتب روني براك إيقاعه من انفعاله.

صانع المشهد بالصوت… مؤلّف الموسيقى التي ترى

وراء أدائه المذهل، يقف أيضًا المؤلّف. فروني ليس فقط من ينقر الطبل… بل من يكتب ما يُسمع وما لا يُسمع. كتب الموسيقى التصويرية لأفلامٍ أرادت أن يكون لها قلب ينبض، فاستدعت نقراته. لم يكتب موسيقى تشرح الصورة… بل صنع صورة داخل الصوت.

هو لا يؤلّف بالأوتار ولا بالبيانو، بل بالبُعد. يكتب بمطرقة، وينسج بنبضة. في موسيقاه التصويرية، لا تحتاج إلى مشهد لترى، فالصوت وحده كافٍ ليُشعل الذاكرة. هو لا يشرح الفيلم… بل يعمّقه. يضيف إلى الصورة ما لا تقوله الكاميرا، ويمنحها صوتًا يشبه ظلّها.

الجسد الآلة… والآلة الكائن

ما يجعل أداؤه استثنائيًا، أن جسده كلّه آلة موسيقية. اليد ليست وحدها من تعزف. العين تعزف. الكتف تعزف. حتى التنفّس… له توقيته ومقامه. هو في عزفه مزيجٌ من الرياضي، والعابد، والمجنون. يُخضع الجسد للصوت، ويُخضع الصوت للحرية.

لا مسافة بينه وبين ما يعزف. هو الآلة. هو الصوت. هو الضربة والصدى. كأنما لا شيء بينه وبين الإيقاع سوى جلده. وإن نظر إليه أحد وهو يعزف، لا يراه… بل يشعر به.

خاتمة: حين يتحوّل الأداء إلى كائن حيّ

روني براك ليس فنانًا عابرًا. هو تجربة. أداءه ليس عرضًا يُشاهد، بل حدثٌ يُعاش. هو العزف حين يشتعل، وحين يُصلّي، وحين يرفض أن يُختصر. هو اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا إلى تصنيف، ولا إلى مقاربة.

في حضرته، تصبح الضربة دعاءً، والصمت احتضانًا، والحركة قصيدة.

إنه رجلٌ عزف قلبه… لا دقاته.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment