
أربعة دروب نحو القيامة… لحنٌ وصوت لسمير صفير يحملان الوجع وكلمات رودي رحمة تنحته – شربل الغاوي
في هذه الأعمال، لا نكون أمام ترانيم تُؤدّى ثم تُطوى، بل أمام سِفرٍ رباعيّ كُتب كأنّه من بقايا كتابٍ عتيق، نجا من النسيان ليُتلى من جديد على مسامع قلبٍ مثقل. هنا لا يقدّم رودي رحمه كلماتٍ تُحكى، بل ينقشها كما تُنقش الوصايا على حجرٍ لا يزول، ويأتي سمير صفير بلحنه وصوته كمن يحمل مبخرةً من نور، فيما ينسج بودي نعوم فضاءً سمعيًّا يشبه الهيكل، واسعًا، مهيبًا، يحتمل الألم ولا ينهار تحته. إنّه عملٌ لا يُصغى إليه، بل يُدخل إليه، كمن يعبر عتبةً بين زمنين: زمن الإنسان، وزمن السرّ.
في البدء، حين قيل “كانو الغضب معجون بدمّن”، بدا كأن اللغة نفسها ترتجف، كأن الكلمة وُلدت من جرحٍ لا من فم. ليست صورة، بل إعلان سقوط: غضبٌ يصير مادة الخليقة، ودمٌ يصير طينها. ثم تأتي الصرخة: “هالأرض يمكن لأ مش إمّون”، فتتكسّر فكرة الأمومة، ويغترب الإنسان عن ترابه، كأن الخليقة لفظت أبناءها. هنا تبلغ بلاغة رودي رحمة ذروتها الأولى: لغةٌ لا تشرح، بل تكشف، لا تصف، بل تُنزِل القارئ في قلب العاصفة.
وفي “حِكْمُن ملطّخ بدَم”، يتجلّى مشهدٌ أشبه بمحكمةٍ فقدت عدالتها. الحكم قائم، لكنّه ملوّث، والجلّاد ليس فردًا بل صورةً تتكرّر في كل إنسان. “هِنّي اللي بسّ الدم بيلمّن” جملة تحمل سرّ التناقض: دمٌ يفرّق ودمٌ يجمع، خطيئةٌ تتحوّل إلى بذرة خلاص. هنا تضيق اللغة من شدّتها، تتكاثف كالدخان، لكنها في اختناقها تلد وضوحًا أشدّ، كأن الحقيقة لا تُقال إلا وهي تنزف.
ثم يبلغ السفر ذروته في “جَرّ الوجع كِلّو”. ليس الألم هنا حدثًا، بل كونًا يُحمل. “وحدو مشي وجموع خلف جموع” صورةٌ تقف عند تخوم الفهم: وحدةٌ مطلقة في قلب ازدحامٍ أعمى. و“قلعة وجع عم يحملها يسوع” ليست استعارة، بل كيانٌ قائم، وجعٌ صار بناءً، وصار الحمل قدرًا لا يُلقى. الطريق يطول، لا لأن المسافة بعيدة، بل لأن المعنى أثقل من الخطى.
وفي “غفرلن يا بيّي”، يحدث الانقلاب الذي لا يشبه إلا المعجزات. لا يُرفع الألم، بل يُستعلن معناه. لا يُمحى الجرح، بل يضيء من داخله. هنا تصير الكلمة صلاة، ويصير الصمت جوابًا، ويخرج الغفران لا كضعف، بل كقوّة تعلو على الصليب نفسه.
أما اللحن، فليس تابعًا للنص، بل رفيق دربه. سمير صفير لا يؤلّف موسيقى، بل يفتح مجرى للحلم داخل هذا الثقل. ألحانه هادئة، شفافة، لا تصارع الكلمة بل تحتضنها، كأنها تعرف أن الألم لا يحتاج إلى ضجيج كي يُسمع، بل إلى فسحة صمت كي يُفهم. يتدرّج اللحن كما تتدرّج الصلاة، من رجفة إلى سكون، من سؤال إلى تسليم.
ويأتي توزيع بودي نعوم كفضاءٍ يُقيم فيه هذا كلّه. لا يزاحم، بل يوسّع. لا يفرض، بل يفتح. يترك للنغمة أن تتردّد، وللصمت أن يكون جزءًا من النسيج، فيخلق توازنًا دقيقًا بين الامتلاء والفراغ، كأننا أمام هيكلٍ صوتيّ، جدرانه من صدى، وسقفه من انتظار.
أما صوت سمير صفير، فهو قلب هذا السفر النابض. لا يغنّي ليُسمَع، بل ليصل. فيه هدوءٌ يشبه اليقين، وانكسارٌ يشبه الصلاة. لا يصرخ، بل يقنع، لا يعلو، بل يتسرّب إلى الداخل. وحين يقول “اغفرلن يا بيّي”، لا يعود صوت فرد، بل يصير صدى البشرية كلّها، كأن الغفران يُقال لأول مرّة.
غير أنّ رسالة هذا السفر لا تقف عند حدود الألم، بل تتخطّاها إلى ما هو أعمق: إلى كشف الإنسان أمام نفسه. هذه الترانيم لا تتحدّث عن زمنٍ مضى، بل عن زمنٍ يتكرّر، حيث الجلّاد حاضر، والبراءة مصلوبة، والدم ما زال لغة هذا العالم. لكنها، في الوقت عينه، تزرع سرًّا خفيًّا: أن الغفران ممكن، وأن النور لا يُعطى من خارج الجرح، بل يولد فيه.
إنها دعوة لأن يرى الإنسان وجهه في هذا السفر، لا ليُدان فقط، بل ليُفتدى. أن يدرك أن “هالأرض مش إمّون” ليست نهاية القول، بل بدايته، وأن العودة إلى الأمومة الأولى تمرّ عبر الألم، لا هربًا منه بل عبورًا فيه.
هكذا يكتمل هذا العمل: كلمةٌ كالنبوءة، لحنٌ كالحلم، توزيعٌ كهيكلٍ من صدى، وصوتٌ كصلاةٍ لا تنتهي… ورسالةٌ تُكتب في آخر السِفر، بحبرٍ من نورٍ لا يخبو: إنّ القيامة آتية، لا كخبرٍ يُروى، بل كحقيقةٍ تنتظر أن تُعاش.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي