
سليم عساف… الغناء الذي لا يُشفى منه القلب – شربل الغاوي
في دفاترِ العشقِ العتيق، حيثُ تُحفظُ الحكاياتُ بين سطورٍ تئنّ من فرطِ الصدق، ويُختَزنُ الوجدُ في كلماتٍ كأنها خُلقت لتبقى، يمرّ اسم سليم عساف كعبورِ نسمةٍ على قلبٍ متعب، أو كدعاءٍ قديمٍ وجد طريقه أخيرًا إلى السماء. ليس هو صوتًا يُسمع فحسب، بل أثرٌ يُقيم في الروح، وجرحٌ جميلٌ لا يُراد له أن يندمل.
صوته، يا سيدي، ليس من تلك الأصوات التي تتباهى بعلوّها، بل من تلك التي تنحني لتدخل القلب دون استئذان. حنونٌ كأولِ حكايةٍ روتها الأم لطفلها، عميقٌ كليلٍ لا قمر فيه، وصادقٌ حدّ أنّه يُربك السامع، كأنه يواجه نفسه للمرة الأولى. في أدائه ارتجافةُ عاشقٍ لا يُجيد الكذب، وفي حضوره بقايا زمنٍ كانت فيه الأغنية اعترافًا لا استعراضًا.
غنّى الحبَّ والعشق، ولكن ليس كما تُغنّى المعاني، بل كما تُستخرج من الأعماق انتزاعًا. جعل من الهوى قَدَرًا يُكتب على مهل، ومن الاشتياق مرآةً يرى فيها الإنسان هشاشته وجماله معًا. وإذا ما تساءل: “كيفو قلبك؟”، بدا السؤال كأنه آتٍ من صدرِ الليل، من تلك اللحظة التي يتجرّد فيها القلب من كلّ أقنعته، فلا يبقى فيه إلا الحقيقة.
وغنّى عيد الميلاد… لا كذكرى عابرة، بل كطقسٍ يُستعاد كل عام بصوتٍ صار جزءًا من معناه. في “غنّولو” لا نسمع أغنية فحسب، بل نشهد ولادة الفرح نفسه، كأنّ العمر يُعاد ترتيبه على إيقاعٍ حنون، وكأنّ السنين تمرّ بين كفّيه فيحوّلها إلى لحظةٍ تستحق أن تُغنّى. هناك، حيث تختلط البراءة بالحنين، يصبح الصوت دعوةً مفتوحة لأن نحتفل بالحياة لا بالزمن، وأن نمنح الميلاد معنى يتجاوز العدّ إلى الشعور. وهكذا، لم تعد “غنّولو” أغنيةً لعيد… بل صارت العيد نفسه حين يتكلّم.
وغنّى الخطبة والزفاف، فحوّل الفرح من لحظةٍ عابرة إلى أثرٍ خالد. لم تكن ألحانه مجرّد احتفال، بل كانت طقسًا من طقوس العهد، كأنّ الأرواح تتصافح قبل الأيادي، وكأنّ الحبّ يُتوَّج بنغمٍ قبل أن يُتوَّج بخاتم. عنده، الفرح ليس صخبًا، بل يقينٌ بأنّ القلوب وجدت مأواها.
وغنّى الجبل والبلدات، فصار صوته كأنّه امتدادٌ لتلك الطبيعة التي لا تشيخ. في ألحانه خشونةُ الصخر وحنانُ التراب، وفي كلماته دروبٌ ضيّقة تحفظ خطى الراحلين. لم يصف المكان، بل أعاده حيًّا فينا، حتى بتنا نشعر أنّنا ننتمي إليه وإن لم نسكنه.
وغنّى الحُلى والجمال، لكنّه لم يُغرِه البريق، بل سعى إلى ما وراءه. الجمال عنده ليس ما يُرى، بل ما يُحسّ، ليس وجهًا بل أثرًا، ليس هيئةً بل حضورًا يُربك القلب ويُعلّمه كيف يخفق على مهل.
ثم غنّى الأب… وهنا يسكت الكلام، أو يكاد. لأنّ الصوت حين يقترب من الأب، يصبح أكثر هشاشةً وصدقًا، كأنّه يعود طفلًا يحمل قلبه بين يديه. في تلك المساحة، لا لحن يُزيّن، ولا كلمة تُجامل، بل حنينٌ عارٍ من كلّ شيء، يشبه دمعةً تتردّد قبل أن تسقط.
وغنّى المدينة وكواليسها، المدينة التي تأكل أبناءها ثم تبكيهم سرًّا. في أغانيه شوارعُ تسهر على وجعها، ونوافذُ تُخفي حكاياتٍ لا تُروى، وأصواتٌ تائهة تبحث عن خلاصٍ لا يأتي. جعل من الضجيج قصيدة، ومن التعب مرآةً يرى فيها الإنسان نفسه.
وغنّى الوطن… لا كشعارٍ يُرفع، بل كجرحٍ يُزهر في القلب كلّما حاول أن يلتئم. الوطن عنده ليس أرضًا تُحدّ بحدود، بل ذاكرةٌ تسكن فينا، وحنينٌ لا يُشفى. هو صوت الأمّ حين تنادي، وهو الطريق حين يضيع، وهو القلب حين يرفض أن يتخلّى عمّا أحبّ. في غنائه للوطن، لا نجد خطابًا، بل نجد وجعًا نقيًا، كأنّه صلاةٌ تُرفع من أرضٍ متعبة إلى سماءٍ بعيدة.
أما ألحانه، فهي ليست صُنعًا، بل وحيٌ يُصاغ على هيئة نغم. تنساب كأنّها تعرف طريقها قبل أن تُولد، وتستقرّ في القلب كأنّها كانت تسكنه منذ الأزل. وكلماته… تلك التي تبدو بسيطةً كالماء، لكنها عميقةٌ كالبحر، تصيب دون أن تستأذن، وتبقى دون أن تُعلن.
هكذا هو سليم عساف… ليس فنانًا يُؤدّي، بل روحٌ تُترجم ذاتها في هيئة صوت. كأنّه آخر من بقي من زمنٍ كانت فيه الأغنية عهدًا، وكان فيه الغناء فعلَ حبٍّ خالص.
ولهذا، لا تُسمع أغانيه… بل تُحفظ، كما تُحفظ النصوص المقدّسة في قلوب العاشقين، وكأنّها خُلقت لتبقى ما بقي في الإنسان قلبٌ يخفق.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي