
حين انتصر اللقاء على الخبر… البقاع يكتب فصلاً جديداً في ذاكرة الإعلام – شربل الغاوي
ليست المهرجانات دائماً منصات للعروض والاحتفالات، فبعضها ينجح في صناعة ما هو أبقى من الصورة، وما هو أعمق من التصفيق. هناك مناسبات لا تُقاس بعدد الحاضرين، بل بما تتركه من أثر في النفوس، وبقدرتها على إعادة الإنسان إلى الإنسان، قبل أن تعيده إلى المهنة التي يمارسها.
في البقاع، لم يكن الموعد مع أمسية تراثية فحسب، بل مع فكرة تقول إن الفن يستطيع أن يجمع حيث تعجز التفاصيل اليومية، وإن اللقاءات الصادقة ما زالت قادرة على كسر عزلة الشاشات، وإعادة الدفء إلى العلاقات التي أرهقتها سرعة الحياة.
بدعوة من Aura Media وبالتعاون مع Cascada Mall، التأمت وجوه من الوسط الفني والإعلامي والثقافي في رحلة حملت أكثر من عنوان. لم يكن الطريق إلى قب الياس مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كان انتقالاً من ضجيج العمل إلى فسحة من الطمأنينة، ومن سباق المواعيد إلى مساحة يتقدّم فيها الحوار على العناوين العاجلة.
ولأن المبادرات الكبيرة تبدأ دائماً بفكرة، كان للدكتور جمال فيّاض دورٌ محوري في جمع هذه النخبة، إيماناً منه بأن الإعلام لا يبنى فقط داخل الاستديوهات أو خلف الكاميرات، بل أيضاً في اللقاءات التي تصنع الثقة، وتعزز روح الزمالة، وتمنح أصحاب المهنة فرصة لرؤية بعضهم بعيداً عن ضغط المنافسة.
واستقبل البقاع ضيوفه كما يعرف أن يفعل دائماً؛ بكرم الأرض، وهدوء المكان، واتساع القلب. وبين أروقة كاسكادا مول، لم تكن الحركة مجرد تجوّل بين المحال، بل كانت مناسبة للتعارف، واستعادة الذكريات، وتوثيق لحظات ستبقى شاهدة على يوم استثنائي.
وجاءت فرقة شيوخ الدبكة البعلبكية لتؤكد أن التراث لا يشيخ، وأن الإيقاع الشعبي لا يزال قادراً على تحريك الوجدان قبل الأقدام. فكل لوحة قدمتها الفرقة بدت وكأنها رسالة وفاء لذاكرة لبنان، وللأرض التي لا تزال تحفظ خطوات الأجداد في كل دبكة، وفي كل لحن، وفي كل زغرودة.
أما مهرجان “من البقاع”، فلم يكتفِ بالاحتفاء بالفن، بل فتح نافذة واسعة على هوية المنطقة، من منتجاتها الزراعية والصناعية إلى مبادراتها الثقافية والسياحية، في مشهد يثبت أن التنمية تبدأ حين تتحول الثقافة إلى شريك في الاقتصاد، ويصبح التراث جسراً نحو المستقبل.
واختتم اليوم بعشاء جمع الضيوف حول مائدة واحدة، لكن ما جمعهم في الحقيقة لم يكن الطعام، بل الحكايات، والابتسامات، والوجوه التي اكتشفت أن أجمل اللقاءات هي تلك التي لا تفرضها الضرورة، بل تصنعها المحبة.
في زمن تتسابق فيه الأخبار لتحتل العناوين لساعات ثم تختفي، يبقى هناك خبر لا يشيخ… أن الناس ما زالوا قادرين على اللقاء، وأن الثقافة ما زالت تملك القوة لتقريب المسافات، وأن لبنان، مهما اشتدت عليه الأزمات، لا يزال يعرف كيف يصنع الحياة حين يجتمع الفن، والإنسان، والوطن في مكان واحد.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي